كلمـة العدد

 

بسم الله الرحمن الرحيم وحده وبه نستعين

إنه لمن دواعي الغبطة والسرور، أن يتعزّز البحث العلمي الجامعي عندنا بمجلة أكاديمية أخذ أصحابها على عاتقهم مهمة القيام بنشر ما تجود به قرائح الباحثين الكرام من هنا وهناك. وهذا، في مجال البحوث الإستراتيجية والتنموية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي وما دار في فلكها.

عزيزي القارئ، لا يخفى على أحد أن البلد الذي لا يهتم قادتُه ونُخَبُه برسم سياسة تنموية تحدّد منذ البدء، الأهداف المرجوة والوسائل المادية والمعنوية الواجب توفيرها لبلوغ هذه الأهداف، هو بلد يسير على غير هدى. وتحديد المرامي والأهداف البعيدة والقريبة مع وضع الخطط والبرامج الملائمة لبلوغها هو ما يدعى بـ "الإستراتيجية"، والأصل اللغوي اليوناني للكلمة يعني التخطيط العسكري، و"الاستراتيجي" كان هو العسكري المحنّك. وفي عصرنا، شاع استعمال الكلمة في المجال السياسي والجيوسياسي بصفة خاصة. ثم انسحب هذا الاستعمال على كافة المجالات الثقافية والحضارية بعد ذلك ليصير مرادفاً لفنّ التخطيط وحسن التدبير.

وإذا كانت الإستراتيجية تعني المخطط العام، فإن التكتيك هو الخطة الجزئية المرحلية. إن نسبة التكتيك إلى الإستراتيجية كنسبة المعركة إلى الحرب أو النسيج إلى العضو أو الرافد إلى النهر. فلا وجود ولا قيمة لأي جزء بمعزل عن الكل الذي يتظمنه. فنحن أمام منظومة دقيقة محكمة، إذا اختلت فيها حلقة تداعت لها سائر الحلقات بالتساقط والتناثر. وهذا، باختلاف المجالات وتعدد الميادين.

أجل ! إن التوجه الاستراتيجي مطلوب في كل ميدان: في الاقتصاد، في السياسة، في الثقافة، في التربية والتعليم وما إلى ذلك من ميادين. ولعلَّ ما وقعت وما تقع فيه البلدان المتخلفة أو السائرة في طريق النمو من أخطاء بل ومن خطايا، راجع إلى حد كبير إلى الاهتمام فقط بإنشاء المؤسسات والهيئات العديدة في غياب أية إستراتجية واضحة المعالم، مما يُهدر المال العام ويُبدّد الوقت والجهد ويعود بالضرر على المجتمع والأمة.

انطلاقاً من هذا الهاجس، أبت أسرة تحرير هذه المجلة إلا أن تخوض غمار البحث العلمي الأكاديمي. مساهمة بفعالية في إرساء تقاليد للعمل بوعي وعقلانية، ما أمس حاجتنا إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى! وكل ما نرجوه، أن يكسب فريق المجلة رهان الاستمرارية، كما استطاع كسب رهان اتخاذ المبادرة. وما صدور العدد الثاني إلا دليل قاطع وبرهان ساطع على السعي في هذا الاتجاه. فمرحباً بهذا المولود الجديد في عالم البحث العلمي.


 د/ عبد القادر عدالة