كلمـة العدد

تسويق الخدمات والخدمات العمومية وأثر خصائص الخدمات على سياسات التسويق تشكل موضوع هذه المقدمة لمجلة الاستراتيجية والتنمية. فكل يوم تظهر خدمات وتتطور أخرى، وكلها تحتاج إلى متطلبات الانسجام، الانفتاح والمرونة، وبالتالي إلى تسويق فعال للخدمات.

ولقد كان لأهمية قطاع الخدمات والتطور الملحوظ الذي شهده، أثر كبير في توليد الاهتمام الكبير بتسويق الخدمات والمشاكل المرتبطة به، وأهمها مشكلة تكييف وربط سياسات التسويق مع الخصائص المميزة للخدمات بصفة عامة، وللخدمات العمومية بصفة خاصة، الأمر الذي يميز تسويق الخدمات عن التسويق بصفة عامة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من النمو الكبير الذي عرفه نشاط الخدمـات، والخدمات العمومية في العالم الغربي بسبب إستفادته كثيرا من التطور الذي عرفه التسويق... على الرغم من ذلك، لا يزال قطاع الخدمات في الجزائر وفي غيره من الدول النامية بحاجة للكثير من منافع التسويق.

ولذلك فإن أي دراسة جدية لتسويق الخدمات يجب أن تركز على المحاور التالية:

-          الإطار النظري لاقتصاد الخدمات، ويتضمن محاولة لفهم تاريخ الخدمات ومراحل وعوامل تطوره، وأسباب تأخر إدماج وتطبيق التسويق فيه؛

-          الإطار النظري لتسويق الخدمات ويتضمن محاولة فهم قطاع الخدمات بصفة عامة وقطاع الخدمات العمومية بصفة خاصة، ثم محاولة فهم تسويق الخدمات، من حيث مراحل إدماجه، ودور وإختلاف وتميز هذا التسويق؛

-          العوامل التي تساعد على تطبيق المفهوم التسويقي وكيفية تدعيمها؛

-          العوامل التي تعيق تطبيق المفهوم التسويقي، وكيفية التغلب عليها؛

-          الأدوات التسويقية اللازمة لوضع الإستراتيجيات، ويتضمن التعرف على خصائص الخدمات، وخصائص الخدمات العمومية، وأثر ذلك على سلوك المستعملين، وأخيرا خصوصية تسويق الخدمات والخدمات العمومية؛

-          عناصر المزيج التسويقي في مجال الخدمات بدءا بدراسة سياسة المنتوج الخدمي بالتركيز على خصوصية سياسة منتجات الخدمات، ومشاكل عرضها والأساليب التسويقية لمواجهة هذه المشاكل. ثم تحليل سياسة تسعير الخدمات وذلك بمعالجة خصوصية السعـر في ميدان الخدمات الخاصة ثم في ميدان الخدمات العموميـة. ثم تناول سياسة الترويج في مجال الخدمات وذلك بمعالجة خصوصية ترويج الخدمات، وشروط وكيفيات الإشهار والترويج في هذا القطاع الحساس والمهم. وأخيرا إستراتيجية تقديم الخدمات من حيث مفهوم التقديم، وأهدافه، وتحديد مكان وزمان أداء الخدمة، وتحديد منافذ توزيع وتقديم الخدمات، ومشاكل قرارات تقديم تلك الخدمات. ثم التعرض لأهمية وخصوصية بائعي الخدمات وأثرهم على جودة الخدمات. إضافة الى ذلك يتضمن هذا الجزء بالايجاز باقي العناصر المساعدة للمزيج التسويقي في مجال الخدمات. يتعلق الأمر بثلاثة عناصر مهمة تم استحداثها مؤخرا: الجمهور، والبيئة المادية والعمليات.

وفيما يتعلق بطبيعة وأبعاد، وأهداف، وأهمية مجال تسويق الخدمات فإننا نشير إلى أن التسويق أصبح في السنوات الأخيرة مجالا ذا أهمية متزايدة في إدارة مؤسسات الخدمات. فالمبادئ والمفاهيم التي لها أثر فعال في النشاط التسويقي للمؤسسات التجارية التي تهدف إلى الربح، أصبحت ملائمة وبشكل متزايد مع النشاط التسويقي لمؤسسات الخدمات.

فمؤسسات الخدمات لا تعتبر استثناءا عن تلك المؤسسات، فهي تحتاج إلى معرفة وتفهم أسواقها وجماهيرها، والبيئة التي تعمل فيها... وغيرها لتمكينها من توجيه إمكاناتها المتاحة لتحقيق أهدافها. إضافة الى أن هذه المؤسسات الخدمية تواجه الكثير من المشاكل، التي تصبح في غالب  الأحيان –عند غياب التسويق- عائقا أمام إنجاز مهامها. ومن هذه المشاكل:

-         تحديد طبيعـة المستعملين الحالييـن والمرتقبين الذين تقدم لهم الخدمـات، دراسة وتوضيح سلوكاتهم وإحتياجاتهم، ورغباتهم، وإتجاهاتهم وعاداتهم. وكيفية تحديد حجمهم وتوزيعهم وكمية طلباتهم؛

-         كيفية إعـداد وتصميم المنتجـات بشكل يتلائم مع حاجـات ورغبات المستفيديـن، وإعداد وتحديد أسعار تتناسب )في آن واحد( مع القدرات الشرائية للمستعملين ومع أهداف المؤسسة، وإستخدام برامج فعالة ومتطورة للاتصالات والترويج للتأثير على المستعملين، وإعداد برامج أخرى للتوزيع تهدف إلـى تيسير الإستفـادة من خدماتها، وإعداد طرق للتحكم في تسيير الموظفين للإتصال )بائعوا الخدمات( وتكوينهم تكوينا تقنيا وتجاريا يتناسب مع حاجات ورغبات المستفيديـن، وإعداد النظم اللازمة لدراسة ردود الفعل عند المستفيدين لقياس مدى رضاهم.

لكن تطبيق المفاهيم والأساليب التسويقية في مؤسسات الخدمات يتطلب توفير عدد من المتغيرات منها:

-         إدراك خصوصية قطاع الخدمات بصفة عامة، وقطاع الخدمات العمومية بصفة خاصة، وفهم خصائصها التّي تميزها عن السلع المادية؛

-         فهم خصوصية سلوك مستعملي الخدمات والخدمات العمومية المتأثر بالخصائص المميزة للخدمات والخدمات العمومية؛

-         إعادة تكييف السياسات التسويقية )عناصر المزيج التسويقي( كسياسة المنتج، السعر، الترويج ، والتوزيع للمؤسسات التجارية لتتلائم مع طبيعة وخصائص مؤسسات الخدمات العمومية وخصوصية سلوك مستعمليها؛

-         محاولة تدعيم وتوفير العوامل التي تساعد على تطبيق المفهوم التسويقي بمؤسسات الخدمات والخدمات العمومية، والتغلب على العوامل التي تعيق ذلك. 

 

وتعد دراسة التسويق في قطاع الخدمات من الدراسات الهامة وذلك بالنظر للعديد من الاعتبارات منها أن القطاع الذي تتناوله الدراسة يعد من القطاعات الاقتصادية الهامة في جميع دول العالم بما فيها الجزائر. إضافة إلى أن هذا الموضوع – أي تسويق الخدمات- لم يتناوله الكثير من الباحثين من قبل بالدراسة والبحث وخاصة في الجزائر، حيث لم يسبق القيام بدراسات شاملة حول هذا الموضوع  – في حدود علمنا -، على الرغم من الأهمية التي تحتلها هذه المؤسسات الخدمية بين أفراد المجتمع، إضافة إلى ما يعكسه ذلك من تأثير على الإقتصاد الوطني. ثم أن التسويق لم يحظ بإهتمام مؤسسات الخدمات في العديد من الأقطار النامية ومنها الجزائر، على الرغم مما تواجهه تلك المؤسسات من مشاكل تسويقية متعددة، تتعلق بخدماتها وزبائنها مما يشكل عائقا أمام أداء نشاطاتها. وعليه فالأخذ بتلك المفاهيم والأساليب من شأنه إيجاد الحلول المناسبة لتلك المشاكل، والتحسين في الأداء وفي الخدمات، الأمر الذي يترتب عليه أن يحظى التسويق بالاهتمام المتزايد من قبل تلك المنظمات. وأخيرا فإن حاجة طلبة الجامعة  والأساتذة والباحثين إلى الإحاطة بهذا الموضوع المهم في الاقتصاد لما له من تأثير مهم على التنمية في كل المجتمعات، يعد من الدوافع والمبررات لزيادة الاهتمام بهذه الدراسات في مجال تسويق الخدمات والخدمات العمومية.

أخيرا، نرجـو أن يحقق هـذا الموضوع حظه من الاهتمام والدراسة والعناية اللازمة بغية تحقيق الأهـداف المسطـرة والغايـات المرجـوة من هذه الدراسة، والله المعين. وفقنا الله جميعا لخدمة العلم والمعرفة.

 

بقلم الدكتور براينيس عبد القادر

عميد كلية العلوم الاقتصادية، التجارية وعلوم التسيير بجامعة مستغانم